عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " قال الله عز و جل : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام , فإنه لي و أنا أجزي به . و الصيام جنة فإذاكان يوم صوم أحدكم فلا يرفث و لا يصخب , فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم . و الذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك .للصائم فرحتان يفرحمها : إذا أفطر فرح بفطره , و إذا لقي ربَّه فرح بصومه ." متفق عليه و هذا لفظ رواية البخاري وفي رواية له: ((يترك طعامه وشرابه ، وشهوته، من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها )).
استوقفني هذا الحديث كثيرا، لطالما ترك بي اثرا عميقا ، فلقد شمل بطياته ، تعاليم واداب و احكام الصيام .
اعزائي ... الصيام هو العبادة الوحيدة التي تكون بين العبد و ربه فقط و ليس للمحيط البشري صلة بها ، لما تتطلبه من وجود ضمير حي و نفس يقظة تراقب الله عز وجل ، تنأى بالعبد فينا عن مظاهر الرياء و ملامح النفاق ،و تسد عليه ايا من تلك الابواب ، فالصلاة و الزكاة و الحج ممكن ان يتداخل بها عنصر الاعتبارية لمن حولك بجانب تقديم اركان العبادة و الطاعة لله تعالى.
فالصيام " جُنًة " بمعنى انه درع واقي للانسان من الذللات ، و درئه عن فعل المعاصي و هفوات الشيطان .
و الصيام تجربة عملية تعليمة لاختبار و تهذيب النفس اولا ، تتطاول فيها الاعناق و الايادي لنول رضا الله عز وجل . ثم التعود على ذلك لما بعد رمضان ثانيا .
اعزائي اخوتي في الله ، بلغنا الله رضاه في هذا الشهر الكريم و جعلنا من عتقائه في شهر الخير و الرحمة ..
واخيرا ..!!! اسمحوا لي ان اسند تفسيرا مفصلا للحديث القدسي الموجود اعلى لعلكم تنهلون من فضله الكثير ، و كل عام و انتم بخير ...
(( وفي هذا الحديث فوائد :
إن الله _سبحانه وتعالى _ جعل الصوم له ، عمل ابن آدم الآخر _ أي غير الصوم _ لابن آدم ، يقول الله تعالى : (( كل عمل ابن آدم له إلا لاصيام فإنه لي )) .
والمعنى:
أن الصيام يختصه الله _ سبحانه وتعالى _ من بين سائر الأعمال ، لأنه _ أي الصيام_ أعظم العبادات إطلاقا ، فإنه سر بين الإنسان وربه، لأن الإنسان لا يعلم إذا كان صائما أو مفطرا ، هو مع الناس يذهب ويأتي ويدخل ويخرج ولا يعلم به، نيته باطنة ، فلذلك كان أعظم إخلاصا ، فاختصه الله من بين سائر الأعمال .
قال بعض العلماء :
ومعناه إذا كان الله سبحانه وتعالى يوم القيامة وكان على الإنسان مظالم للعباد ، فإنه يؤخذ من حسناته إلا الصيام ، فإنه لا يؤخذ منه شيء ، لأنه لله عز وجل وليس للإنسان ، وهذا معنى جديد ، أن الصيام يتوفر أجره لصاحبه ولا يؤخذ منه لمظالم الخلق شيئا .
ومنها:
أن عمل ابن آدم يزاد من حسنة إلى عشرة أمثالها ، إلا الصوم ، فإنه يعطى أجره بغير حساب ، يعني أنه يضاعف أضعافا كثيرة .
قال أهل العلم :
وذلك لأن الصوم اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة ، ففيه صبر على طاعة الله ، وصبر عن معصية الله ، وصبر على أقدار الله .
أما الصبر على طاعة الله : فلأن الإنسان يحمل نفسه على الصيام مع كراهته له أحيانا ، يكرهه لمشقته ، لا لأن الله فرضه ، لو كره الإنسان الصوم لأن الله فرضه لحبط عمله ، لكنه كرهه لمشقته ، ولكنه مع ذلك يحمل نفسه عليه، فيصبر عن الطعام والشراب والنكاح لله عز وجل ، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي : (( يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي )).
النوع الثاني من أنواع الصبر الصبر عن معصية الله :
وهذا حاصل للصائم ، فإنه يصبر نفسه عن معصية الله عز جل ، فيتجنب اللغو والرفث والزور وغير ذلك من محارم الله.
أما الثالث الصبر على أقدار الله :
وذلك أن الإنسان يصيبه في أيام الصوم _ لاسيما في أيام الصيف الأيام الحارة الطويلة _ من الكسل والملل والعطش ما يتألم ويتأذى به ولكنه صابر لأن ذلك في مرضاة الله فلما اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة كان أجره بغير حساب ، قال الله تعالى : ( انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) الزمر 10 ))
المصدر شرح رياض الصالحين لابن العثيمين
5
قبل 4 أيام